السيد كمال الحيدري

232

شرح بداية الحكمة

وقد تبيّن بما تقدّم : أولًا : إنّ لكل حركة - جوهرية أو عرضية - زماناً خاصاً بها ، هو مقدار تلك الحركة ، وهذا هو الزمان الفلسفي . وحيث إنّ لكل جسم متحرك بالحركة الجوهرية زمانه الخاص به وأزمنة الأجسام متفاوتة بعضها بالنسبة إلى البعض ، وحيث إنّ الحاجة لتنظيم الاجتماع تدعو إلى جعل بعض الأزمنة الخاصة معياراً تقاس إليه الأزمنة الأخرى ، فقد جعلوا من حركة بعض الأجسام معياراً خارجياً تقاس إليه سائر حركات الأجسام الأخرى ، من قبيل حركة الشمس التي لها حركة جوهرية ، وزمان خاص بها ، وكذلك القمر له حركة جوهرية وزمان خاص به . وبذلك جعلوا السنين والأشهر والأيام والدقائق . . . ونحوها من أقسام الزمان الاجتماعي ، فالزمان الاجتماعي أمر اعتباري لا حقيقة له ، وهو مجعول من قبل العقلاء لتنظيم حياتهم وأوقاتهم . وهذا الزمان العام الذي له دخل في الحوادث الزمانية والذي تقاس إليه سائر الحركات هو زمان الحركة الجوهرية عند المثبتين للحركة الجوهرية ، لا أنه زمان الحركة الوضعية ، والحركة الكمية ، والحركة الأينية ونحوها من حركات الأعراض عند المنكرين للحركة الجوهرية . ثانياً : إنّ التقدّم والتأخر ذاتيان بين أجزاء الزمان ؛ لما تقدّم من أن كل جزء لا يمكن أن يتحقّق إلَّا بعد انعدام الجزء السابق ، بمعنى أن كون وجود الزمان ( سيّالًا ) غير قارّ يقتضي أن ينقسم لو انقسم - انقساماً فرضياً عقلياً - إلى أجزاء سابقة ولاحقة ، أي إلى جزء يتوقف على زواله وجود جزء آخر بالفعل ، والمتوقف عليه هو المتقدم ، والمتوقف هو المتأخر . نعم ، بحسب الحقيقة لا يوجد أجزاء سابقة ولاحقة ، بل يوجد فقط موجود واحد متصل ، فالحركة تنتزع من فرض العقل جزءاً سابقاً وجزءاً لاحقاً . ثالثاً : إن الآن - وهو طرف الزمان ، والحد الفاصل بين الجزئين لو